البخاري

تصدير 41

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

ثم لا تنافى بينها وبين ما يفهم من قوله الآخر : « أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، ومائتي ألف حديث غير صحيح » فالظاهر أنه قال هذا القول الأخير في وقت مبكر ، وقبل الشروع في تأليف الكتاب أو في أثنائه ، أما القول الأخير فمن المؤكد أنّه قيل بعد الفراغ منه ، وبعد أن أمضى في تأليفه ست عشرة سنة ، جمع فيها هذه الستمائة ألف فاستخلص صحيحا ، وانتقى من هذا الصحيح ما ارتضاه له . ولا نسأل عن الوجه في فخر البخاري بأنّه يحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح ، ولا عن الجدوى في تعبه وعنائه بحفظها ، فالجواب أنه - كغيره من أئمة الحديث - يحفظ غير الصحيح ليتوقّاه في روايته ، ولينفيه عن كتبه ، ولينبه على سقوطه إذا رواه غيره ، وهذه ثمرات طيبة . وقيمتها عند المحدثين عظيمة ، ولا يفوقها عندهم إلّا حفظ الصحيح ، لأنّه مستمد الرواية النزيهة الصادقة ، ومادة البناء السليم ، للتأليف النقىّ القويم . ونحن لا نستبعد أن يكون البخاري قد تجاوز بحفظه هذه الأعداد المروية عنه ، فما من دليل على أن واحدا من تقديراته كان في آخر حياته ، حتى نعتبره غاية ما حفظ ، ولكننا - مع ذلك - نفترض أن أقصى هذه المقادير هو أقصى ما وصل إليه ، وأنّه لم يزد عليه شيئا في بقية عمره ، نفترض هذا ونتوقع أن يتنطس بعض الناس ، فيحوله عن طريق فهمه السليم ، ويعتبره أسلوبا في المبالغة ، قصد به التنبيه إلى كثرة الحفظ ، دون مفهوم العدد ، وجوابنا أن هذا